Stalking the pink haired lady in Zamalek
“الحنة”
٢٧/٣/٢٠١٣
خارجي/ داخلي
٢٠٠٧
ليل/خارجي
(لجنة علي طريق المنصورية)
الضابط في الثلاثينات من عمره ضئيل الحجم عريض الصوت
(يخاطب سائق السيارة )
- رخصك.. انت مصري؟
- لأ مصري امريكاني
- معاك باسبور؟
(الضابط يطالع جواز السفر ثم ينظر لبقية الركاب)
ـ طيب ومين معاك في العربية.. بطايقكوا؟
(الضابط يجد امامه ثلاثة جوازات سفر: اثنان شنجن اتحاد اوروبي لصديقاتي الفرنسيات، وجواز آخر انجليزي لصديق مزدوج الجنسية والرقم القومي الخاص بي.. ثم اشار لي ان انزل من السيارة)
- دي بطاقتك؟
- ايوة
- انتي مصرية ولا معاكي باسبور تاني؟
- مصرية
oh baby! -
وكل اصحابك اجانب؟
- لأ والله دي الصدفة
- راجعة منين متأخر كدة؟
- افندم؟
- راجعة منين؟
-راجعة من فرح واحدة صاحبتي في المنصورية بس مش فاهمة ايه غرض السؤال؟
- انتي في جامعة خاصة؟
- ايوة
- بتدرسي صحافة؟
- مكتوب عندك
(ابتعد عن السيارة واخذ يدردش مع زملائه لفترة طالت قبل ان يعود مرة اخري)
- اسمك غريب. مش اسم مصري
- انت فاضي النهاردة؟
- نعم؟!
- بتسألني الاسئلة دي كلها ليه؟ من فضلك انا عايزة اروح
- طب اركبي ياختي
- من فضلك اتكلم معايا بإحترام زي ما بتعامل الاجانب
- عليكي نور. اديكي فهمتي
- فهمت ايه؟
- انك مش اجنبية!

٢٠٠٩
نهار/داخلي
(محاضرة «دعاية واعلام» في جامعة خاصة)
الأستاذ في الخمسينات من عمره، قصير القامة، كرشه بارز وزبيبته محفورة في جبينه
- النهاردة حانتكلم عن الـ media ethics، يعني اخلاق الاعلام، يعني حانتكلم عن الحيادية والمهنية وحماية حقوق المستهلك. حانتكلم عن الميديا اثيكس في الاعلانات بالذات.. متعودين إن الاعلانات بتعرض ايجابيات المنتجات ولا تعرض سلبياتها ولازم لنا وقفة مع الموضوع ده.
- ازاي بس يا دكتور نقول سلبيات المنتج؟ مفيش اعلان بيبين سلبيات المنتج
- بالظبط.. وده خطأ شائع لأنه خداع وتضليل للمستهلك!
- هو يبقي خداع وتضليل لو بتكدب وتتكلم عن مزايا مش موجودة في المنتج
- لأ ده نوع من الغش. يعني مثلاً لازم إعلان الكولا او البيبسي يبين ان ليها سلبيات علي الجهاز الهضمي
- ايوة يا دكتور بس ده مايبقاش اعلان!
- لأ يبقي اعلان برضه لأنك بتذكر اسم المنتج
- يا دكتور الغش لو انا بقول في الاعلان ان البيبسي والكولا فيها فوايد وفيتامينات بس لو ما قولتش كدة مابقاش بكدب
- لأ ده برضه تحايل علي الحقيقة. وفي الآخر ده يرجع لك وضميرك
- يا دكتور ايه علاقة الضمير بالموضوع ده!
- لأ لازم يكون فيه رادع اخلاقي وتراعي ضميرك في شغلك. وربنا هايحاسبك علي الغش يوم القيامة!
- هو معلش دكتور حضرتك ليه بتدرس “دعاية وإعلان” مادام الموضوع حرام في حرام؟
- عشان اوعي الجيل الجديد اللي حايشتغل في المجال ده!!!

٢٠١٠
نهار/ داخلي
(المنزل)
- الو؟ .. صباح الخير
ـ السلام عليكم
- الصيدلية؟
- ايوة يا فندم
- لو سمحت ممكن تبعت حد يديني حقنة كورتيزون؟
-دلوقتي؟
-ايوة.. انا عندي حساسية ووشي كله وارم والدكتور قاللي ابعت آخد حقنة فوراً
- تمام بس حضرتك الحقنة بتفطر!
-افندم؟! .. بقول لحضرتك وشي احمر ووارم وبتألم ومش عارفة انزل من البيت.. دي حالة طارئة
-ايوة انا فاهم بس انا بلفت نظر حضرتك بس احنا في رمضان
- هو انا مش عارفة اننا في رمضان! .. ايه الاستفزاز ده! انا بجد موجوعة ومش عارفة افتح عينيا من الورم
- ايوة انا مقدر بس ده واجب عليا انني اقول لحضرتك علي سبيل الحرص
- حرص ليه؟ .. انا عندي عذر وافرض اني مسيحية او بوذية! .. هو انا بكلم الصيدلية ولا دار الافتا؟
- علي اي حال صعب حتي الاقي ممرض يدي حقنة قبل الفطار
- ليه يعني؟ .. ايه المانع؟
- عشان حضرتك الحقنة في العضل
-مش فاهمة لو الحقنة في الوريد حتفرق في ايه؟
- لأ تفرق طبعاً
- ليه يعني؟
-عشان حتي لو حضرتك فاطرة اللي حايدي الحقنة ممكن كدة يفطر هو كمان
- ويفطر ليه يعني هو جاي يتحرش بيا ولا جاي يسعف مريض؟
- ده مش كلامي حضرتك
- يعني لو انا راجل حاينفع تديلي الحقنة؟
- ايوة يا فندم
- لأ بص كدة تمام اوي.. انا هاروح مستشفي دلوقتي قسم الحالات الطارئة وهاشوف لو الدكاترة بيسعفوا المرضي قبل الفطار ولا لأ.. خصوصاً لو كانوا بنات
- آه حضرتك كدة يبقي افضل
- وحانبه علي اي حد يديني الحقنة انه كدة هايفطر
- تمام
- وممكن حضرتك تيجي معايا عشان تفهم الدكاترة هناك ايه هو حكم اسعاف المريض قبل الإفطار
- لأ مفيش داعي
- تقبل الله صيامك يا اخي
- شكراً

٢٠١٢
نهار/ خارجي
(سائق تاكسي- كوبري اكتوبر)
سائق التاكسي رجل في الخمسينات، اسمر، نحيل، عينيه جاحظة.. صوت الراديو في سيارته يطرش ودخان سيجارته يخنق)
- شفتي الست دي بتحط ميكياج جوة العربية
- ايوة
- عادي والرجالة بيبصوا عليها وهي بتحط ميكياج
- جايز مش واخدة بالها انك بتبص
ـ بصي اللي راكب معاها ده عيل صغير ومعاه بي إم
- ….
- تلاقي امه جايبهاله
- ….
- فكرك ده معاه كام في البنك؟
- معرفش
- معاه كتير
- يمكن اشتغل كتير عشان يجيب العربية دي
- السرقة طبعاً
- انت متعرفش الراجل وعشان غني بتقول عليه حرامي .. كدة زي ماهو يقول عليك فقير وبلطجي!
ـ انتي غنية؟
- افندم؟
- انتي ساكنة في الزمالك؟
- علي فكرة الاغنيا مش ساكنين في الزمالك ساكنين في ٦ اكتوبر والتجمع الخامس
- آه
(صمت تام وبعد ٥ دقائق)
- ينفع بس المنظر ده واحدة لابسة قميص نوم
- دي اجنبية
- مش منظر ده
- انت متضايق ليه؟ هي مش زعلانة من لبسك انت ليه زعلان من لبسها؟!
(يبادل السيدة الاجنبية في السيارة المجاورة النظرات المريبة. ثم يخرج لها لسانه في حركة مقززة)
- نزلني هنا
- هاتنزلي فين؟
- هنا!!
- عالكوبري؟!
ـ ده انا لو في الصحرا هانزل!

شاهد قبل الحذف
كان يوماً مشؤومًا.. دخلنا على صفحة «ميجا فيديو» وفوجئنا بلوجو الـFBI «المباحث الفيدرالية الأمريكية» يملأ الصفحة مع تفاصيل عن صدور حكم قضائي بإغلاق الموقع في قضية تعد على حقوق الملكية الفكرية.
كانت نكبة على رؤوسنا، مصيبة وحلت علينا، امتلأنا بمشاعر متناقضة، صدمنا ثم غضبنا، وفجأة شعرنا بالضياع وكأن جزءاً كبيراً من عالمنا الافتراضي انمحى.
ماذا نحن بفاعلين؟ هل من عريضة إلكترونية نوقع عليها لفك أسر أصدقائنا القراصنة الذين جعلوا حياتنا المملة أكثر إثارة ومتعة؟
متعة الفرجة أصبحت مهددة، اليوم «Mega Video» وغداً قد يأتي الدور على «Novamov» و «Hulu» و«Let me watch this»!

(1)
«ر» .. صديقي القادم من الصعيد الجواني ينتمي لأسرة بسيطة في قرية صغيرة بأسيوط .. كان عالمه محدوداً للغاية، وأفقه لا يتعدى الذهاب إلى المدرسة ومتابعة برامج الدش والتليفزيون.
لم يكن يحلم بحياة مختلفة، ولم يكن يطمح بأكثر مما لديه حتي حصل على اشتراك ADSLبعد أن سئم بطء الزيرو ثلاث سبعات.
انفتح العالم على صديقي فقرر هو أيضاً أن ينفتح عليه.. خرج من غرفته إنساناً مختلفاً يحلم بالسينما والسفر ويحدث أبناء قريته عن العوالم الجديدة التي تأتيه ليلاً في اللابتوب ويعيرهم الفلاشاية ويشجعهم على مشاهدة أفلام روائية ووثائقية بعينها، بل أحياناً يحمل لهم ترجمة كتبها بنفسه بعد أن أتقن اللغة الإنجليزية من مشاهداته.
انتقل صديقي إلى العاصمة.. بهرت ثقافته السينمائية أبناءها، لا يوجد فيلم كوري او أرجنتيني أو إيطالي لم يشاهده. هو يعمل الآن في المجال السينمائي، ويسافر ويجول العالم.
لم يكن أبداً لـ«ر» أن يتجاوز الحاجز الاجتماعي والثقافي والجغرافي لولا الإنترنت الذي أتاح له الاطلاع على الدنيا من داخل غرفته الصغيرة بأسيوط.
لطالما كانت الثقافة والفنون الرفيعة رفاهية مقصورة على الطبقات الأرستقراطية لا يقدر على تكاليفها أبناء الطبقات الفقيرة الذين استكفوا بالثقافة الشعبية. لم يكن هناك انفتاح على ثقافات الآخر، كل شعب يكتفي بثقافته الوطنية، الفلاحون المصريون لا يشاهدون سوى الأفلام العربية، والهنود لا يشاهدون سوى السينما الهندية، والطبقة المتوسطة في روسيا لا تقرأ سوى الأدب الروسي، والأمريكان الجنوبيون لا يطيقون قراءة الترجمة فيتجاهلون الأفلام الأجنبية. لا ثقافة الآخر تصل إليهم ولا في مقدورهم السفر إليها.
الصحفي الكبير محمد التابعي يحدثنا في مذكراته «بعض من عرفت» عن صولاته وجولاته في معارض ومسارح ومكتبات أوروبا في الثلاثينيات من القرن الماضي وكيف أتيح له، برفقة أصدقائه من الطبقة الأرستقراطية المصرية، أن يستمتع بباليه البولشوي في موسكو ومسرحيات شكسبير في لندن وسيمفونيات موزار على مسارح فيينا.
ربما لا يدري أصدقاؤنا القراصنة أنهم منحوا رفاهية الثقافة بالمجان لسكان العالم الثالث ممن لا يستطيعون مشاهدة أي أفلام أو مسلسلات ـجنبية سوى التي يختارها الموزعون وهيئة الرقابة او بعض قنوات الدش التي تصر على عرض أسوأ إنتاج السينما الأمريكية.
الموزع في دولة مثل مصر يمارس دور الرقيب هو أيضاً، يفرض علينا اختياراته من السينما الأمريكية حسب ما يتصوره «مناسبًا» لأفكار وتقاليد مجتمعنا.
الإنترنت وحده جعل الثقافة النخبوية جماهيرية بعد أن نجح نسبياً - ومازال في طور العمل - فيما فشلت فيه كل الحكومات في توصيل الثقافة إلي المناطق الفقيرة، فقصور ومراكز الثقافة لم تجذب سوى النخب.
الإنترنت دوره مهول في إزالة الحواجز الاجتماعية والجغرافية والثقافية، حتي الآن لم نر سوى جزء صغير من تأثيره الحقيقي والذي بكل تأكيد سيتبدى في العقود القادمة.
في يوم من الأيام سيكون الإنترنت مجانياً في كل مناطق العالم، وسيكون خدمة تقدمها الدول لمواطنيها مثل التعليم المجاني والتأمين الصحي، أو هكذا أحلم أن تحتذي كل حكومات العالم حذو الحكومة السويدية التي توفر خدمة الإنترنت بسعر رمزي لمواطنيها، فتجد ٩١٪ من الشعب السويدي يستخدم الإنترنت.
بحر من الـ«mp3» و«avi» والـ«pdf».. هو اليوتوبيا الجديدة والعالم الموازي، المعرفة فيه متاحة للجميع، المعلومة للجميع، سهولة الاتصال، حرية الرأي والتعبير والنقد، حرية السفر والاطلاع على العالم بلا تأشيرات عبوراً على الحواجز الجغرافية.
لا يحظى رجل الأعمال بمزايا في الفيسبوك أفضل من العامل في مصنعه، ولا يحصل الأوروبي على معلومات من جوجل أفضل من الأفريقي، ومواقع الاستشارة الطبية المجانية لا تميز بين المستخدمين. وبذلك حقق الإنترنت العدالة الاجتماعية في العالم الموازي التي حاولت البشرية وناضلت ومازالت تحاول وتناضل من أجل تحقيقها في الواقع.. حل الإنترنت المعادلة الصعبة: العدالة الاجتماعية والحرية في آن واحد.
(2)
هذا هو الجانب المثالي والرومانسي من الإنترنت..
لم تكن للحكومات والشركات أن تترك القراصنة يعيثون في الفضاء الإلكتروني فساداً، ينشرون الوثائق والمعلومات والأفلام بالمجان في العالم كله. حاولت السيطرة على الإنترنت وحاربت القراصنة بكل الوسائل، لكن واجهتها مجموعات نشطاء الإنترنت مثل مجموعة «انونيموس» ومهمتها ردع كل من يحاول أن يسيطر على حرية الإنترنت وفرض قانون الواقع على العالم الموازي.

عندما قطعت حكومة مبارك الإنترنت في ٢٨ يناير ٢٠١١ بحثت انونيموس عن بدائل تسمح للنشطاء السياسيين والمدونين الدخول عليه.
كما استطاع قراصنة انونيموس السطو على موقع بنك التحويل الإلكتروني PayPal «باي بال» وإغلاقه رداً على رفضه إرسال تبرعات نقدية لموقع «ويكيليكس» ، مما كلف بنك التحويل خسائر قيمتها ٣٥ مليون جنيه إسترليني.
استمر القراصنة ونشطاء الإنترنت في معاركهم يحاربون الدولة والقانون والبنوك والشركات ويدعمون الثورات في العالم الثالث حتي ظهر مشروع قانون الكونجرس الأمريكي للسيطرة على الإنترنت والمعروف بالـSOPA –Stop Online Piracy Act «سوبا» أي مشروع قانون وقف القرصنة على الإنترنت و بالـPIPA -Protect IP Act «بيبا» أي قانون حماية الملكية الفكرية وهي قوانين محلية لم تدق رنين الخطر ولم تلفت نظر الرأي العام العالمي حتي ظهرت اتفاقية اكتا الدولية ACTAوهي اتفاقية ضد التزييف التجاري وقعت عليها الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي وكندا واليابان وأستراليا والمكسيك والمغرب ودول الخليج، ومازال تجميع التوقيعات مستمرًا. اعتبر القراصنة تلك المشاريع مؤامرة من الحكومات لتقنين الرقابة على الإنترنت والانقضاض على خصوصية المستخدمين وتهديد حرية استفادة الفقراء حول العالم من الشبكة، باسم الحفاظ على حقوق الملكية الفكرية وهي لا تخدم سوى الشركات التجارية التي تحتكر توزيع منتجاتها.
هذه المشاريع يدعمها لوبي من منظمات مثل الـRIAAوالـMPAAوهم الموزعون الأساسيون للأفلام والموسيقي والمواد الترفيهية يحاولون بشتى الطرق السيطرة على الإنترنت الذي بات يهدد نموذجهم للبزنس الذي عفى عليه الزمن، لهم رجالهم في الكونجرس الأمريكي وتأثيرهم كبير على قراراته.
لا يختلف توجه الكونجرس الأمريكي في مشروع قانون سوبا ومعاهدة اكتا كثيراً عن الحكم القضائي الذي صدر مؤخراً في مصر بإغلاق موقع اليوتيوب بأكمله اعتراضاً على فيديو واحد رخيص وساذج. فيديو واحد من بين اكثر من ٢٠٠ مليون فيديو متاح على الموقع. الفكرة ذاتها.. القمع بالإغلاق بدلاً من تقديم البديل، هم لا يعرفون من الوسائل سوى الغلق والحجب والحبس. ثم ظهرت أكبر مظاهرة الكترونية أطلقها القراصنة بدعم من جوجل وويكيبيديا انتهت بتجميع اكثر من ١٠ ملايين توقيع على عريضة إلكترونية ضد قانون «سوبا»، أجبرت الكونجرس على إسقاط مشروع القانون، وخرج مئات الآلاف من مستخدمي الإنترنت في مظاهرات امتدت إلى جميع أرجاء القارة الأوروبية احتجاجاً على توقيع حكوماتها على اتفاقية «اكتا» مما أجبرها على التراجع. أثبت القراصنة صدق قضيتهم وحجم تأثيرهم على الرأي العام الذي يفوق النفوذ السياسي والمالي لرجال الأعمال.

لم يكن آرون شوارتز قرصاناً ككل القراصنة، كان رومانسياً، ملتزماً بالعدالة الاجتماعية.. لم يستخدم مواهبه كمبرمج لأهداف إجرامية أو للإثراء الشخصي، وسعى لأن يجعل من الإنترنت عالما أكثر عدلاً.
كان «شوارتز» نابغة، فهو مُخترع سوفتويرالـRSSفي الـ١٤ من عمره .. استطاع أن يسطو على ملايين الابحاث الأكاديمية، وحصل على قرابة ١٩ مليون مقال علمي متاح فقط للمسجلين من أرشيف رقمي مدفوع الأجر لموقع JSTORالمتخصص بالمنشورات الجامعية والعلمية عن طريق كلمة مرور خاصة بطلاب معهد ماستشوستس للتكنولوجيا MIT..
كان «شوارتز»مهدداً بالسجن لمدة ٣٥ عاما وغرامة مالية قدرها مليون دولار، ورغم تعهده بإعادة البيانات المحملة وبعدم نشرها مجاناً على الإنترنت أصرت المحكمة ومعهد ماستشوستس للتكنولوجيا على متابعة محاكمته لأسباب اعتبرها الإعلام سياسية. الآراء اليسارية التي أودعها شوارتز في الـ «Guerilla manifesto» - مانيفيسو حرب العصابات الخاص به، واصفاً أعمال القرصنة بالعصيان المدني و«خصخصة المعرفة» بالرأسمالية الجشعة من بين الأسباب التي استفزت المحكمة.
في يناير الماضي وجدت جثة شوارتز في شقته بنيويورك بعد أن انتحر شنقًا وهو في الـ٢٦ من عمره.
قامت الدنيا ولم تقعد بعد أن تعاطف العالم مع شوارتز وقضيته وأكملت مجموعة «انونيموس» ما بدأه بتحرير الملايين من الوثائق والأبحاث العلمية تمجيدًا لذكراه. تأثر باحثون وعلماء في كل أنحاء العالم بمأساة انتحاره فنشروا كل أعمالهم مجاناً على الإنترنت في هاشتاج على تويتر #PDFtribute وكانت موجة كاسحة لتحرير المعلومات من قبضة قوانين الملكية الفكرية المحلية.
في وداع شوارتز ألقى السير «تيم برنارد لي» مخترع الإنترنت والأب الروحي للقراصنة خطبة قال فيها: «مات آرون.. يا مشردين العالم فقدنا شيخاً حكيماً.. فقدنا طفلاً، يا قراصنة الحق قفدنا واحداً منا.. دعونا نبك».

(3)
قرصان آخر مشهور لكنه يفتقر لرومانسية «آرون شوارتز».. هو «كيم شميتز» القرصان الألماني المعروف بـ«كيم دوت كوم» والذي أنشأ موقع ميجا أبلود وميجا فيديو للتحميل والمشاهدة المباشرة للأفلام والمسلسلات والموسيقي بالمجان.
لا يحارب من أجل قيم سامية كالعدالة والحرية، بل من أجل المال الذي يبعثره على الحفلات الصاخبة والسيارات الفارهة واليخوت والطائرات الخاصة.
هرب كيم دوت كوم من أحكام تراكمت عليه في المانيا إلى تايلاند وهونج كونج واخيراً الي نيوزيلاندا التي صدر فيها حكم ابتدائي عليه بالحبس ٥٠ عاماً، فاستوحي اسمه المستعار من «دكتور كيم» بطل مسلسل «الهارب» The fugitive.
بعد صدور الحكم دخلت على أغنية «ميجا سونج» على اليوتيوب فوجدت أكثر من ٦٠.٠٠٠ تعليق لمستخدمي ميجا من جميع الجنسيات، من تركيا والمكسيك وروسيا والسنغال والمغرب والبرازيل يودعون ميجا آبلود ويلعنون هوليوود والإف بي آي.

ربما كيم دوت كوم ليس بالفارس النبيل الذي ينهي حياته يائساً من الظلم وتآمر الدولة وأصحاب الشركات ضده، المدعي عليه ببساطة هو مهووس كمبيوتر ورجل أعمال ناجح وفر خدمة مهمة لمستخدمي الإنترنت لم يسع المدعي لتوفيرها.
تصر الحكومات والشركات على فرض قوانين الملكية الفكرية المحلية على المستخدمين في كل بقاع الأرض.. وكأننا في دول العالم الثالث لنا رفاهية مشاهدة ما يحلو لنا في أي دور عرض أو شراء أي أسطوانة دي في دي تخطرعلي بالنا! ليس في مقدرة الجميع شراء فيلم واحد بـ١٥ دولارا من آي تيونز، أو شراء دي في دي بـ ١٩ دولارا من آمازون وشحنه إلى آخر العالم بالـ «دي اتش ال» بمبلغ وقدره. لولا القراصنة لما كان لصديقي «ر» أن يحصل على ثقافته الموسوعية، وكان قد اكتفي بمشاهدة اختيارات درية شرف الدين ويوسف شريف رزق الله في «نادي السينما»، وكان لايزال في أسيوط لا يبالي بما يجري في العالم من حوله.
ربما يكون القراصنة فعلاً لصوصا.. كلفوا شركات إنتاج السينما والموسيقى والترفيه خسائر مادية ضخمة لكنهم أيضاً جنود للعدالة الاجتماعية. هم يبعثون برسائل سياسية واجتماعية للحكومات والشركات دون أن يدرك بعضهم ذلك.
لماذا لا توفر الاستديوهات خدمة عرض الأفلام بالمجان وتحقق في الوقت نفسه مكاسب ضخمة من الإعلانات مثلما يفعل القراصنة؟ لماذا لا تكون هي البديل؟
التجربة ليست خيالية وتم تفعيلها وثبت نجاحها..
(4)
أعتبر نفسي من جيل الـ MTV.. جيل التسعينيات الذي نشأ على فيديوهات مايكل جاكسون ومادونا وتوباك شاكور، لكن بحكم التطور وانتشار خدمة الإنترنت في العالم انتهي عصر الـ MTV
واستُبدل جيلنا بجيل الـ VEVO…

اكتشفت شركات الموسيقي الضخمة مثل «سوني» و«إي ام آي» و «يونيفرسال» و«ابو ظبي ميديا» أنه بدلاً من إغلاق وسجن وحبس كل من يُحمل الموسيقي والفيديو كليب على اليوتيوب، فإنه يمكنها أن توفر البديل القانوني للملايين من مستخدمي الإنترنت. قرروا مجاراة العصر وحدثوا أدواتهم بدلاً من ممارسة الرقابة وابتكروا صيغة جديدة لحل أزمة الملكية الفكرية دون الانقضاض على قيم الإنترنت ومثله العليا.
اشتركت هذه المجموعة من الشركات في إنشاء «فيفو» VEVO، وهي قنوات مشتركة على اليوتيوب تحمل أولا بأول أحدث الموسيقي والفيديو كليب مجاناً وتربح الملايين يومياً من إعلانات جوجل وبذلك طوروا أنفسهم وخلقوا بديلاً قانونياً وناجحاً وأكثر ربحاً من السي دي روم والآي تيونز والـMTV.
لماذا إذن لا تطبق شركات الأفلام الضخمة تجربة فيفو في مجال السينما والترفيه؟
ربما ولأسباب فنية يصعب عرض أفلام ضخمة الإنتاج مثل «Avatar» و«Batman» و«Inception» على شاشات الكمبيوتر لأنها افلام صنعت خصيصاً للعرض على شاشات السينما فقط بتأثيرات صوتية وبصرية مكلفة وضرورية لتحقيق رؤية السينمائي. ولكن أفلام البلوكباستر لا تمثل سوى نسبة ضئيلة جداً من الإنتاج السنوي للأفلام، والانترنت سوق ضخمة لم تسع تلك الشركات حتي الآن لاستغلاله بذكاء.
إن استمرت استوديوهات وشركات الأفلام العالمية في رفضها مجاراة العصر، وأصرت على حبس القراصنة دون تقديم حلول وبدائل سيبحث مستخدمو الإنترنت هم أيضاً عن بدائل تناسب احتياجاتهم وعصرهم.
ثبت ذلك بتجربة الفيلم المستقل The man from earthالذي عرض على معظم مواقع التحميل والمشاهدة المجانية على الإنترنت بناء على طلب منتجه ومخرجه وحقق نجاحا ضخما على الشبكة قذف بصناع الفيلم إلى الشهرة. ما المانع إذن في إعادة التجربة؟
تصر الحكومات والشركات على فرض الحواجز واصطناع القيود بمنظور الربح المؤقت وقصر النظر في رؤية الأبعاد المختلفة للتأثير الثقافي لهذه الأعمال على المدي الطويل من خلال انتشارها عالمياً. لن يقود الثورة سوي السينمائيين في كل أرجاء العالم.. كما حرر العلماء مقالاتهم وأبحاثهم تمجيداً لـ«شواترز» ، يوماً ما سيقود السينمائيون معركتهم لتحرير أعمالهم من قبضة الشركات، وسيطلبون توفير بديل للدي في دي والآي تيونز يضمن انتشار أعمالهم في كل بقاع الأرض مجاناً لكل الطبقات الاجتماعية.
هناك من الرومانسيين من يقاوم تدميرعالمهم النوستالجي واستبدال كل ما هو ملموس بالإكتروني. يرفضون قراءة الجرائد والمجلات والكتب على الإنترنت، فرائحة الحبر الجديد وملمس ورق الجرائد المطبوع هي خصائص لن تستطيع الثورة الإلكترونية استبدالها بشاشة الآي باد. وهناك أيضاً أصحاب المال الذين يقاومون انقراض صناعات تجلب لهم الملايين مع ظهور بدائل تهددها، يرفضون تدمير صناعة الطباعة ودور عرض السينما وأسطوانات السي دي والدي في دي. ولكن كم من الصناعات أفلست ودمرت وهمشت بعد أن حلت مكانها صناعات أخرى!
السينما طغت على المسرح، والتليفزيون طغى على الراديو، وشرائط الكاسيت أنهت أسطوانات الفينيل، والـ دي في دي قضى على الفيديو، والكاميرا الديجيتال أفلست مصانع النيجاتيف. هي سنة التطور.. بالطبع مازال المسرح والراديو والكاسيت والفيديو وكاميرات الـ١٦ مل لها جماهيرها، لكن مقاومة التطور هي معركة فاشلة بكل المقاييس.
القراصنة ليسوا بقديسين ولا هم أعداء المجتمع. هم قادة ثورة تكنولوجية اجتماعية ثقافية في مطلعها. مبادئهم الروبنهودية هي دافعهم الأساسي للتمرد على قوانين الدولة العتيدة ومصالحها مع الشركات.
في التسعينيات كان القراصنة يعيشون في الظلام والآن ظهروا إلى النور.. كشفوا عن وجوههم واكتسبوا تعاطف الرأي العام العالمي. حتي «بيل جيتس» و«ستيف جوبز» باعترافهم كانوا يوماً ما قراصنة.
القرصنة فعل غير شريف من أجل هدف أشرف… المجد للقراصنة
شاهد قبل الحذف.. المجد للقراصنة
مقالي الجديد في المصري اليوم
"مقالي في"المصري اليوم "عقدة المسلواتي
من هو صاحب عبارة «الفن رسالة»؟ هل هو نفس الشخص الذي ابتكر مصطلح «الفن الهادف»؟
..
أسمع كلمات تتكرر كصدى الصوت في أعماق عقلي الباطن: “هادف.. آدف.. آدف.. رسالة.. سالة.. آلة..”
ليلة امبارح ماجاليش نوم
إسكندرية ٨/١٠/٢٠١٢
يا اللى بدعتوا الفنون
من هو صاحب عبارة “الفن رسالة”؟
هل هو نفس الشخص الذي ابتكر مصطلح “الفن الهادف”؟
من هو الذي نغص عليّ حياتي، وعكنن علي ملايين مثلي صفو روحهم. لا اتصوره يدرك مدي تأثير مثل تلك العبارات التي تؤرقني وتطاردني في صحوي ومنامي. أسمع كلمات تتكرر كصدي الصوت في أعماق عقلي الباطن “هادف.. آدف.. آدف.. رسالة.. سالة.. آلة..”
١- عقدة المسلواتي
تتردد هذه العبارات بين الحين والآخر في الإعلام وشبكات التواصل الإجتماعي خصوصًا فى مواسم أفلام العيد ومسلسلات رمضان وخلافه. يشدد أصحابها على أن الذوق العام انحدر وأن الفن لابد ان يكون رسالة تحمل عِبرة ترتقى بأخلاق المجتمع على طريقة المخرج على عبدالخالق، الذي ينهى افلامه كـ”العار” و”جرى الوحوش” بآية قرآنية.
الفن بطبيعته هادف، ولكن اتصور ان من ابتكر هذا المصطلح كان يعني، ان كل عمل يروج لقيم لا تتفق مع قيمه هو بالنسبة له “فن غير هادف”. فالهدف قد يكون إمتاع المشاهدين او تحقيق متعة شخصية للفنان أو نقد منظومة قيم في المجتمع، فى كل الأحوال تظل قيمة العمل التوثيقية أهم من قيمة الهدف وراءه.
ولكن اولًا لابد ان نفرق بين العمل الفني والعمل الدرامي الترفيهي.
التمييز بين الأعمال الفنية والأعمال التجارية الترفيهية ضروري حتي لا نحمل عملاً اكثر من طاقته ولا ننقده علي اسس فنية صارمة لا تنطبق عليه. ولكن ذلك لا يعني الإستخفاف بها وإعتبارها كلها اعمال إستهلاكية من دون اهمية
.بفضل النقاد العرب يختلط على مجتمعنا بصورة صادمة تعريف الفن والتمييز بين الأعمال الفنية والترفيهية، ذلك لأن النقاد العرب لا يبخلون بلقب “فنان” على أى مخرج او ممثل، فأصبح كل من هب ودب يتصور انه فنان وبيفن، واصبح اللقب (ببلاش) بينما في الغرب يوصف كل مبدع بطبيعة دوره، فهذا مخرج وذاك ممثل اوسيناريست إلخ. ولا اتصور ان اي ممثل اطلق علي نفسه لقب “فنان”. ولكن بعض النقاد هم من استخدموا القاب مبالغ فيها بغرض النقاق.
فلا تسمع ابداً النقاد في الغرب يستخدمون كلمة الفنان “روبرت دي نيرو” او الفنان “اوليفر ستون”! ليس تعسفاً في الفصل ولكن ذلك هو الواقع. نحن من ابتذلنا كلمة “فنان”.
قلة قليلة جداً من السينمائيين فى التاريخ هم من استحقوا ان يطلق عليهم لقب “فنان”، كالسريالى الفرنسى “جون كوكتو” والأسبانى “لوى بونويل”. السينما ليست دائماً فنًا خالصاً، ولو كانت السينما كلها تعتمد على تقديم قيمة فنية بحتة لا توجد بها اى عوامل ترفيه لما اصبحت صناعة عالمية. جمهور السينما التى تقدم فنًا حقيقياً عريض، لكنه لا يقارن بجمهور السينما التجارية التي تعرف احياناً بأفلام المقاولات، لا عيب فى ذلك. نادرون جداً من حققوا المعادلة بين القيمة الفنية والتوليفة التجارية امثال الأسبانى “بيدرو المودوبار” و الأمريكى “الفريد هيتشكوك””.
مع ان السينما ليست بالضرورة فنًا ولكنها كانت ومازالت اكثر وسط يجذب الفنانين. بدايًة من “آندى وارهول” و “ديريك جارمن” و “سالفادور دالى” و “وجوليان شنابيل”، و”ديفيد لينش”، و”فيم فيندرز”، و”شادي عبدالسلام” و”عباس كيروستامى” حتى فنان الجرافيتى “بانكسى”. كل هؤلاء فنانون تشكيليون انتقلوا إلى السينما. هؤلاء الفنانون وآخرون من قبلهم اثبتوا انه من الممكن ان يكون الفيلم السينمائى تحفة فنية فريدة، تعرض في المعارض والمتاحف وان يكون كل كادر من الـ٢٤ كادر فى الثانية لوحة بذاتها. سر انجذاب الفنانين التشكيليين للسينما يفسره اسطورة السينما الإيطالية “فيديريكو فيللينى”: “السينما أقرب بكثير إلى خلق معجزة الحياة من الأدب أو الموسيقى أو الرسم .. لأنها ليست فقط مجرد شكل من اشكال الفن، بل تجمع كل الفنون فى شكل جديد مع إيقاعات خاصة بها”
مع ذلك لو كان كل ما يُعرض تحفة فنية لأصبحت الحياة مملة جداً، ولما اصبح هناك فنانون مميزون. انا شخصياً لا يمتعنى شيء اكثر من مشاهدة فيلم امريكانى خفيف بعد جرعة من الأفلام الأوروبية الدسمة. من الناحية الاقتصادية السينما المصرية فى الخمسينيات والستينيات كانت المصدر الثانى للدخل القومى بعد تصدير القطن طويل التيلة.. فالأعمال الاستهلاكية رغم تدنى قيمتها الفنية لها قيمة اقتصادية مهمة.
نور الشريف، الذي جسد دور المخرج السينمائى «يحيي» فى أحد افلام السيرة الذاتية ليوسف شاهين “حدوتة مصرية”، يسأل سيف عبدالرحمن في احد مشاهد الفيلم “عايزنى اكتب فيلم عن ايه؟ الأخ رئيس عصابة اتقبض عليه، فالأم من خضتها تقع من الشباك تضطر البطلة تروح ترقص فى كباريه؟” يباغته سيف “اهو الناس تتسلى!”
فيرد عليه “انا مش مسلواتى!”. كان ذلك هاجسًا عند يوسف شاهين. الذي بحث عن الفنان بداخله وليس السينمائى الذى يتقيد بذوق الجمهور ومتطلبات السوق، لأنه كان يرفض ان تقيم اعماله كسلعة. وهذه العقدة تسيطر على كثير من السينمائيين المستقلين فى العالم الذين يرفضون الجانب التجارى الملازم لتلك الصناعة: “عقدة المسلواتى”.

فهل نقيم الأعمال السينمائية بمستواها الفني فقط؟ وهل فعلاً الأعمال الراقية فقط هى التى تبقى على قيد الحياة وتتجاوز الزمن؟ ام ان كل الأعمال المصورة حتى التجارى والمبتذل منها له قيمة عظيمة ربما لا نستوعبها الآن؟
لم تعد الأجيال الجديدة تتعرف علي أى مجتمع أو حضارة أو حقبة زمنية من كتب المؤرخين. بل اصبحت تأخد انطباعاتها من الأفلام والمسلسلات واليوتيوب وكل الأعمال المصورة التى توصف احوال كل زمن. اصبح الفيلم هو ذاكرة العالم.. وبات كل فيديو وكل صورة وعمل درامي توثيقًا تاريخيًا لكل مرحلة بقيمها وأفكارها وثقافتها وديكوراتها وملابسها ونكاتها.
فمن مشاهداتى وانا من مواليد اواخر الثمانينيات لأفلام تجارية «غير هادفة» مثل “٤٢٤”، و “البحث عن فضيحة” اعطتنى انطباعاً قوياً عن تفاصيل حقبة لم اعشها. وأعطانى فيلم “خلى بالك من زوزو” - وهو فيلم تجارى جماهيري بكل المقاييس- انطباعًا قويًا عن صعود التيار الإسلامى في السبعينيات خصوصاً فى الجامعات وذلك من خلال شخصية المتزمت “محيى الدين إسماعيل“، وفى مشهد من نفس الفيلم في جامعة القاهرة ترتدى فيه طالبة الحجاب ينظر لها زملاؤها باندهاش وكأنها عَجَبَة!

واعطاني فيلم “ابي فوق الشجرة” بشكل غير مباشر إنطباع عام عن فترة ما بعد النكسة. فأفلام عبدالحليم حافظ قبل النكسة كانت اكثر مثالية ورومانسية. اشعر بألفة مع تلك الحقب وكأنن عشتها من خلال تلك الأفلام.
ربما يكون اكبر دليل على ان الأعمال التجارية دائماً محتقرة من النخبة والمثقفين ثم تتكشف اهميتها مع مرور الزمن، ثلاثية نجيب محفوظ، التى اخرجها الراحل “حسن الإمام” وهو المخرج الذى لقبه النقاد آنذاك بـ”مخرج العوالم” لأنه كان دائم التركيزعلي مغامرات “سى السيد” مع العوالم والراقصات وتناول الأحداث السياسية مثل ثورة ١٩١٩ علي هامش الأفلام. اصبحت الآن ثلاثيته من كلاسيكيات السينما المصرية واصبح حسن الإمام “مخرج الروائع” رغم انف نخبة النقاد والمثقفين.

فيلم “غزل البنات” هوايضاً فيلم تجاري فى توليفته ككل افلام انور وجدى ورغم ذلك اختاره النقاد اليوم كتاسع افضل ١٠٠ فيلم فى تاريخ السينما المصرية. تماماً كما كان “احمد عدوية” في السبعينيات رمزًا لإنحطاط الذوق العام في الموسيقي، هو اليوم اسطورة الغناء الشعبي.
قِصر النظر يمنعنا احيانًا عن إدراك اهمية بعض الأعمال الدرامية والأفلام حولنا التى نحتقرها ونستخف بها لأنها لا ترقى إلى مستوى الفن.. هى لم تدع ذلك.. ربما هى شيء آخر. ولكنها في المحصلة جزء من ذاكرة الوطن. ربما يصبح “الناظر” و “اللمبى” يوماً ما من كلاسيكيات السينما المصرية.
لا الأفلام التجارية لابد ان تحمل موعظة او رسالة ولا الأفلام ذات القيمة الفنية تحاول تقديم “فنًا هادفًا”. الفن الهادف هو مصطلح اطلقه المحافظون ليفرضوا رؤيتهم القاصرة وخيالهم الضيق على المبدعين سواء كانوا “فنانين” او “مسلواتية”.
٢- الفن بين التمرد والادعاء
التحول في مدارس الفن التشكيلي يشبه إلي حد كبير التحول في السينما. لذا سوف ارصد امثلة لأعمال عبر القرن الماضي تصور النقاد والمجتمع آنذاك انها اعمال “غير هادفة”.
حين رفع “مارسيل دوشامب” فى عام ١٩١٧ “مبولة” إلى مقام التحفة الفنية واطلق عليها “النافورة” قاطعته كل الأوساط الفنية الفرنسية، وظل مجهولاً فى فرنسا حتى وفاته فى عام ١٩٦٨. وحدها جريدة “الفيجارو” نشرت خبر وفاته فى إحدى زواياها، بينما خصصت الـ”نيويورك تايمز” صفحتها الأولى لنعيه. يعتبر النقاد اليوم “دوشامب” احد مفجرى طاقات الـ”آفان جارد”

والدادائية وتبنى فكرة الفن العدمي مما اتاح للفنانين من بعده إطلاق الخيال بلا حدود في التعبير الفني والتحرر من قيود ومعايير الفن التقليدي. مثال آخر على تحدى التعريف التقليدى للفن هو لوحة “المربع الأسود” للفنان الروسى “كازيمير ماليفيتش”. اثار معرضًا للفنان الروسى عرض فيه لوحات “تكعيبية” لدوائر ومربعات سوداء سخط نظام “جوزيف ستالين” الذى منع “ماليفيتش” من عرض اعماله “البرجوازية” و “الغير هادفة” حسب تعبير نقاد الحزب الشيوعى آنذاك.
فقام “ماليفيتش” برسم لوحات بالشكل التقليدى الذى يرضى الحزب والنقاد ولكنه استبدل إمضاءه بمربع اسود فى ركن كل لوحة وكأنه يطلع لسانه للحزب الحاكم. اليوم “المربع الأسود” تعتبر من اغلى واهم اللوحات فى العالم
كان المربع الأسود بمثابة صرخة ضد الثقافة الشمولية والفن الدعائي “البروباجندا”. وكأنه الطالب الذي ترك ورقة الإمتحان فارغة او المنتخب الذي ابطل صوته وكانت هذه طريقته في ان يقول “لن اشارك في هذه المهزلة الفنية”. في رأي قيمة المربع الأسود والنافورة هي قيمة تاريخية وتوثقية اكثر من قيمة فنية.
![]()
احدث “آندى وارهول” نفس الضجة فى الستينيات حين رسم منتجات كـ”شوربة كامبل“ و”زجاجات الكوكاكولا” واطلق عليها فن “البوب آرت”.
اليوم اصبح هناك مدرسة جديدة اسمها “الكيتش” وهو الفن الذى يعتمد على إعادة تقديم اشياء مبتذلة فى ذوقها والونها.
لم يعد الفنان هو الموهوب وصاحب التكنيك، بل اصبح الفنان هو صاحب الرؤية الجمالية غير التقليدية والشاذة احياناً. كم من موهوبين ليسوا فنانين لأن خيالهم محدود. ربما يتصور البعض ان “دوشامب” و”ماليفيتش” هم حفنة من المدعين غير الموهوبين، ولكن المثير فى الأمر ان “ماليفيتش” كان رسامًا مبدعًا وموهوبًا في فن التصوير التقليدى فى استخدام الظلال والألوان. ”المربع الأسود” كان اسلوبه فى الثورة علي معايير الفن التى وضعها النقاد والحزب الحاكم.
ينطبق ذلك ايضًا على السينما. لم يعد صاحب السيناريو المكتوب بحرفية وصاحب التكنيك العالى فى التصوير والإخراج هما من يقدمان عملاً فنياً يستوقف انتباه المشاهدين. فقط من يقدم الجديد وغير المألوف هو من ترفع له القبعات. حين اسس المخرج الدانماركى “لارس فون ترير” مع بعض زملائه “حركة دوجما ٩٥”، والتى تقوم على تجريد السينما من التكنيك الأمريكى.. مثل تكنيك (الفويس اوفر) او صوت الراوى فى الخلفية والموسيقى التصويرية وخدع الجرافيكس البصرية والديكورات الباذخة ومعدات الكاميرا المعقدة. وتحدى ذلك بتقديم سينما مجردة، تعتمد فقط على القصة وتكنيك الهاوى، فأصبحت قيمة فيلم الدوجما الجمالية تكمن في قبح الصورة، حيث نكاد لا نشعر بوجود الكاميرا واصبح عامل الإبهار الوحيد هو الدراما الواقعية المؤلمة.

قوبلت افلام الدوجما باحتفاء المهرجانات وحصدت عدة جوائر من “كان” و “برلين” إلا انها هوجمت من بعض النقاد والسينمائيين مثل المخرج البولندى “رومان بولانسكى” ، الذى علق على صعود وإنتشار تلك الحركة قائلاً ان “اي فتاة عمرها ٨ سنوات يمكن ان تصور فيلم دوجما”. وهو نفس الأسلوب الذى هوجم به فى اوائل القرن العشرين رائد الفن التجريدى “جاكسون بولوك” من النقاد، ان اى طفل يمكن ان يمسك بفرشاه و”يطرطش” الوان على لوحة كانفا. ولكن الحقيقة ان الدوجما ولوحات بولوك كلها اعمال تجسد فكرة السهل الممتنع.

بينما يتصور البعض ان اعمال “ماليفيتش” و “دوشامب” هى إدعاء سافر، يعتقد آخرون انهم فنانين ثوار وفلاسفة. وبينما يتصور البعض ان “ديفيد لينش” فنان مدعي، سيظل له معجبين اوفياء في جميع انحاء العالم. من المستحيل ان تجد عملًا يُجمع عليه الكل.
سواء كانت مبولة او مربع اسود او افلام دوجما كلها اعمال يقدمها البشر فى محاولات للتعبيرعن انفسهم.. فالنطلق العنان للتعبير في كل اساليبه وصوره ، وليكف المحافظون عن ترديد تلك المصطلحات السخيفة، وليكف النقاد عن الإستخفاف بالأعمال التي تخاطب الجماهير ووضع قيود علي الإبداع
لنا السناوي
مراسلات باريسية
(١)
عن الخلود
ستعذرني لأني لم اكتب لك ليلة البارحة بعد ان تقرأ السطور التالية. في الـ ١٠ من صباح أمس، اخذت المترو من “سانتيه” إلي محطة “بير لاشيز” لزيارة مقبرة بنفس اسم المحطة، ترقد بها جثامين اشهرفنانين وأدباء وفلاسفة وعلماء الغرب. هي اشهر مقبرة في العالم.
اشتريت خريطة ب٣ يورو، ثم انتعلت حذائي الرياضي وبدأت رحلتي في البحث عن ضريح “چيم موريسون”. سرت لأميال وتسلقت السلالم وركضت فوق الصخور، وكأنني في متاهة، كلما أخذت طريقاً وجدت نفسي اعود لنقطة البداية.كانت الخريطة عديمة الفائدة. ولكتتي اخيراً وجدت طريقي إلي “موريسون” .. اللي يسأل مايتوهش.
اوصلت له تحياتك، وحفرت اسمي واسمك علي الشجرة بجواره. وجدت مجموعة من الشباب يستلقون بجانبه، يدخنون الحشيش. كانوا يتحدثون بالإنجليزية المكسرة، فغالباً هم من بلاد مختلفة، ويستمعون إلي اغانيه علي سماعات كبيرة وضعوها بجانبه. كانت ستدهشك الكلمات التي كتبها الزوار له علي قبره، بعضها مضحك وبعضها اشعار جميلة تشعر ان من كتبها له كان من اعز اصدقائه، مع انه ربما ولد بعد وفاة “موريسون” بعقود طويلة.
من الرائع ان تجد إلي يومنا هذا شباب من مختلف ارجاء العالم يقطعون الأميال فقط ليشعروا ولو لدقائق بالقرب منه.
وضعت السماعات في اذني و استمعت إلي اغاني “ايديت بياف” علي الآي بود لتدفعني ان أركض من اجلها الأميال.حتي شعرت بيد علي كتفي، أدرت وجهي بسرعة فرأيت امامي رجلاً طويل القامة في الستينات من عمره يلوح لي فخلعت السماعات حتي اسمع ما يقوله. اسمه چيرار، خفيف الظل، يتحدث الفرنسية بلكنة جنوبية. عرض علي ان يأخذني في جولة في المقبرة بعد ان اشفق علي من تلك الخريطة التي ضللتني بدلاً من ان ترشدني. قلت له انني اقدر عرضه ولكنني لا احمل معي نقوداً كافية. قال انه سيأخذني في جولة علي اي حال، وانه لن يستطيع النوم ليلاً وهو يتسائل ياتري ما الذي حدث لتلك الصغيرة المسكينة التائهة في المقبرة! ثم قال انه سيصحبني حتي يصل الفوج السياحي الذي ينتظر وصوله من مونبارناس.
تحدثت انا وچيرار لساعات عن حملة بونابارت في مصر، وعن ايديت بياف وعشيقها اسطورة البوكس الجزائري مارسيل سيردان، عن داليدا وعن الإبتسامة التي اختفت من علي وجوه النساء الفرنسيات، قال لي ان احتفظ دائماً بإبتسامتي
حافظ كل الطرق المختصرة عن ظهر قلب، اداءه العام مسرحي جداً، يرقص ويغني ويطبل بين القبور.
اضطررت الإستماع اليه وهو يغني “je ne regrette rien” وانا اضئ شمعة لـ”بياف”، كان مضحكاً ومزعجاً في نفس الوقت. كنت ابحث عن لحظة خاصة مع أسطورة الغناء الفرنسية. فلسفته الخاصة هي ان الموتي لا يحبون النكد والبكاء، فنفعل ما في وسعنا لنرسل لهم طاقة ايجابية.
في طريقنا إلي “موليير” وجدنا غرفة كبيرة ومظلمة قررنا استكشافها. الغرفة تحتفظ برماد من اوصوا بحرق جثثهم. بها مئات الصناديق داخل ادراج خشبية صغيرة، كتب علي كل منها اسم صاحب الرماد وشمعة امام كل درج حتي لمحت اسم “ماريا كالاس”. ذكرياتي مع “كالاس” هي اسطوانات احتفظت بها امي من اوبرا “عايدة”، كانت تلعبها لي انا وأخي. كرهتها في طفولتي لأن امي فرضتها علي، لكن بمرور الزمن تعلقت بصوتها فأصبحت جزء من وجداني. بكيت حين وجدت “ماريا كالاس” بكل موهبتها وجمالها وعظمتها إنتهت إلي حفنة رماد في صندوق صغير منسي وسط مئات الصناديق. قال لي جيرار انه يفضل ان تحرق جثته علي ان تتعفن وتتحلل فيأكلها الدود، ويصبح جسده مادة عضوية تتغذي عليها النباتات!
يرقد “موليير” و”لافونتين” جنباً إلي جنب. مرة اخري اضطررت الإستماع إلي جيرار وهو يتلو منولوج من مسرحية“البخيل” L’avare. موليير له معزه شخصية في قلبي لأنني لعبت دور البطولة “موسيو جوردان” في مسرحية “البرجوازي النبيل” ، Le Bourgeois Gentilhomme. المسرحية كانت ناجحة جداً في مسرح المدرسة، فقمنا بعروض اخري في المركز الثقافي الفرنسي عام ٢٠٠١. لعبت دور رجل (كانوا يسندون إلي ادوار الرجال لأني كنت اطول واحدة في المدرسة)، يصرف كل ما في جيبه علي المظاهر في محاولات فاشلة للإنتماء إلي الطبقة الأرستقراطية.
وكانت هذه اول وآخر محاولة لي في التمثيل.
شاهدت نساءآً ورجال يضعون احمر شفاه ويبحثون عن بقعة علي قبر “اوسكار وايلد” لم تغتصب بالقبلات وكلمات الحب العذبة. ثم انغمروا جميعاً في تقبيل الحجر وهمس كلمات لم اسمعها … قبر”اوسكار وايلد” هو كعبة المثليين في العالم.
تركني چيرار امام قبر “فيديريك شوبان” كتب اسمه ورقم الموبايل علي ظهر الخريطة، ودعني ورحل ليلحق بالفوج السياحي.
صحيح ان جسد شوبان يرقد في هذه المقبرة ولكن قلبه محفوظ في زجاجة كونياك في كنيسة في وارسو لأن والده فرنسي وامه بولندية. وتم استئصال قلبه من جسده بناءاً علي رغبته قبل ان توفي.
هو رومانسي وحزين حتي في اختيار طريقة دفنه.
آخر زيارة كانت لـ”فيكتور نوار”.. كيف ابدأ في الحكي عن “فيكتور نوار”.. هو صحفي يساري، من القرن التاسع عشر، اغتيل وهو في الـ٢٢ من عمره. يستلقي فوق قبره تمثال برونز له بالحجم الطبيعي، يمسك بقبعته، مغلق العينين وكأنه يتلفظ انفاسه الأخيرة بعد ان اصابته رصاصة غادرة. فيكتور كان شاباً وسيماً ويقال انه كان معشوق النساء، وكان رجلاً بمعني الكلمة، فأصبح اليوم رمزاً للخصوبة. وانا امام التمثال وجدت نساءاً وفتيات يضعون الورود في قبعته ويقبلونه و يحتضنوه ويجلسون علي حِجره، كما لو كانوا يمارسون الجنس معه، في مشهد مربك
الأسطورة تقول ان المرأة التي تضع وردة في قبعة “نوار”، وتقبله من فمه، و تفرك عضوه الذكري، تجد الزوج المخلص، والحب الأبدي وحياة جنسية ممتعة، وإن كانت لا تنجب ترزق بالأطفال.. النساء معاتيه!
قرأت عن “نوار” بعد ان رأيت صورة في مجلة لراقصة البورليسك “ديتا فون تيز” وهي تقبل التمثال
اقترب الليل وسمعت إنظارات إغلاق المقبرة، لم يتسن لي الوقت لزيارة ضريح
جورج بيزيه” انت تعلم كم اعشق اوبرا “كارمن”. ربما ازوره مرة اخري..”
هناك مقبرة اخري عظيمة في منونبارناس، يرقد فيها “جون بول سارتر” و”سيمون دو بوفوار” و”صامويل بيكيت”و”فرونسوا تروفو“… ربما نزورهم معاً يوماً ما.
افتقدك اليوم. سأنتظر رسالتك.

(٢)
عن الحنين إلي الماضي
اليوم بعد لقاء اخي نور في “تروكاديرو” بجوار مكتبه، قررنا ركوب المترو إلى محطة “فرانك روزفلت” ارغمته علي التجول معي في شوارع “آفونو مونتيني”، حيث معارض “كريستيان ديور” و”شانيل” و”لوي فويتون”. ثم اجبرته علي الذهاب للشانزيليزيه (نور يمقط الأماكن السياحية في باريس) عندما وجدنا انفسنا بجانب صالة سينما تعرض فيلم وودي آلن الجديد “منتصف الليل في باريس”. اشترينا التذاكر ثم جلسنا نلتهم الآيس كريم من بريوش دوريه ودسسنا سندويتشات في حقيبتي قبل دخول صالة العرض.
كان فيلماً مبهجاً بمعني الكلمة، آلن يمارس الحب مع باريس في هذا الفيلم، كما مارس الحب من قبل مع نيويورك وبرشلونة. أداء أوين ويلسون كان رائعاً، ولكن لما يتلعثم كل ابطال افلام آلن كما لو كانوا يتقمصونه؟! تماماً كما ابطال افلام يوسف شاهين. الفيلم موضوعه الحنين إلى الماضي، والرغبة في العيش في زمنٍ آخر. الكل يحن إلي الماضي، إلي الستينات في لندن اوالسبعينيات في نيويورك او الدولة الرومانية او الحقبة الإسلامية في الأندلس. وودي آلن يتخيل كيف ستكون حياته لو كان عاصر باريس في العشرينات والتقي هيمينجواي و لوي بونويل وسالفادور دالي و يبحث عن سبب تلك الرغبة لدي كل البشر
. لماذا لا نستطيع التأقلم مع الحاضر
نادراً ما تجد شخصاً يرغب ان يعيش في المستقبل.
.حتي الأجيال الجديدة لديها حنين لماضٍ لم تعشه
الفيلم ذكرني بـ”زهرة القاهرة البنفسجية” ، الشخصيات تسعي للهروب من الواقع وتسرح في خيالاتها. ياله من شخص حالم رومانسي هذا الوودي آلن.. دائماً ما تضعني افلامه في مزاج رايق، ادندن لحن چاز جميل، يغمرني التفاؤل. ولكنه دائماً يصور نفسه في افلامه كشخص نرجسي عصبي، متشائم وشكاك … هو ابعد ما يكون عن ذلك! أفضل ما في هذا الفيلم، هو أنني شاهدته في باريس.
إلي اي زمن تحن انت؟ سأكتب لك غداً كما وعدتك

(٣)
عن الرقص المعاصر
سينتقل نور من شارع “سانتيه” إلي “سان جيرمان دي بريه” الشهر القادم. بالطبع سنساعده في العزال. اليوم اصطحبنا لنلقي نظرة علي الشقة. البناية جميلة في الشارع العمومي، تطل علي “كافيه دو فلور” و “لي دو ماجو”وهي الكافيهات المفضلة لأشهر فنانين وأدباء القرن العشرين. داخل لي دو ماجو صور لجون بول سارتر و آلبير كامو وهيمينجواي وبيكاسو في نفس المقهي.
تركت امي ونور، ومشيت حتي “اوديون” وهو قريب جداً من سان جيرمان. كنت ابحث عن صالة سينما مستقلة اسمها“آوديون الجديد” وهي الوحيدة التي مازالت تعرض فيلم “بينا”.
العرض بعد ساعة. حجزت تذكرتي وتحسست بطني وانا ميتة من الجوع. كما لو ان باريس التي تعج بالمطاعم والكافيهات اغلقت كل ابوابها في نفس اللحظة. لم اجد اي كافيه او مطعم مفتوح سوي ستارباكس. انا اكره السلطات في ستاربكس. وفجأة لمحت من بعيد اسم يافطة مطعم إيطالي “إل بالازو” الإسم له رنة إيطالية اليس كذلك؟ بيتزا ايطالية ساخنة. يم يم.
جلست علي المقعد البلاستيكي الغير مريح بالمرة، ولكن مش مهم الكرسي. المهم البيتزا. في الطاولة بجانبي رجل عجوز متجهم يرتدي الكيبا اليهودية إلتفت الناحية الآخري وجدت رجلاً آخر يجلس مع اسرته ، يرتدي كيبا يهودية. وماله. ربما اليهود في فرنسا يفضلون البيتزا الإيطالية مثلي. التفت امامي فوجدت شاب طويل ووسيم اعطاني المينو وطلبت منه كاراف مياه حتي استدار فوجدته هو الآخر يرتدي الكيبا. ولمحت الطباخين في المطبخ المكشوف كلهم يرتدون الكيبا! سألت الشاب إذا كان هذا مطعم “كوشير” فأجاب نعم وتمتم كلمات بالعبرية. اخبرته انني لا احب الكوشير، شكرته ونهضت في توتر من مقعدي، فوقع مني الكرسي وحقيبتي وتذكرة السينما ومفاتيح الشقة. وجدني الشاب مش علي بعضي فساعدني في التقاط اغراضي وقال لي “لماذا تتركين المطعم؟.. البيتزا هنا لذيذة!”. شكرته مجدداً وانا اشق طريقي وسط الكراسي البلاستيكية المتكدسة، اصطدم بها وادفعها كرسي خلف كرسي في توتر. حتي فتحت الباب الزجاجي واخذت بعضي وجريت! وانا آخد خطواتي بعيداً عن المطعم، وقعت في كريزة ضحك هيستيرية.
هاهي سلطة ستارباكس الماسخة، لا طعم لها ولا رائحة.. لكن الجوع كافر (ستاربكس ايضاً كافيه يهودي… لا مفر) فكرت في هذا الموقف المحرج وسبب اندفاعي في الخروج بهذا الشكل، وكأنني رأيت البعبع. ذكرني هذا الموقف بمرة دخلت فيها مطعم كباب في حي شعبي بالقاهرة. كان كل الجالسين فيه رجال بلحي وإندفعت في الخروج بنفس الشكل وايضاً بعد خروجي دخلت في نفس كريزة الضحك..
علي اي حال، “بينا” لم يكن “تانجو” كارلوس ساورا. ولكنه كان إحتفال مبهر بـ”بينا باوش”. الفيلم كان ثلاثي الأبعاد ولكنني لم اجد لازمة لذلك، كان سيبهرني ايضاً لو شاهدته من دون نظارات. الراقصون في الفيلم يتمايلون امام القطارات المعلقة والمصانع وحمامات السباحة. كان اجمل ما في الخلفيات تركيبتها الهندسية. كل كادر صورة فوتوغرافيا مخططة.اجمل مشهد كان تصوير طويل لباليه “كافيه مولير” تأثرت به جداً.. تصميم الرقصات في هذا الباليه كان مبهر ربما تأثرت به لأنه ذكرني بفيلم آلمودوبار. “كافيه مولر” كان مشهد الإفتتاحية في فيلم “تكلم معها” Hable con ella ، ربما تتذكره. الرقصة تبدأ بأمرأة نحيلة ترتدي قميص نوم حرير ابيض تركض وهي مغلقة العينين. تتحرك بشكل إنسيابي وعفوي وكأنها تسبح في نومٍ عميق وسط كافيه يعج بالكراسي يرفعها لها شاب كرسي بعد كرسي حتي لا تصطدم بها وتفيق من نومها.اتتذكره الآن؟
ربما سأشاهد غداً فيلم لارس فون ترير الجديد “ميلونكوليا”. قبلاتي.

(٤)
عن شهوة الطعام
لم اخبر نور انني اطعمت “جوجل” فيليه وبيض اومليت وخضار وجبنة رومي ومناقيش! لم اجد طعام الكلاب في
المحل الذي اوصاني ان اشتري منه. “جوجل” كان جائعاً وشعرت بالذنب وهو يشاهدني التهم الجبنة الرومي السايحة علي التوست المحمص و يصدر نحيباً طويلاً وينظر إلي نظرة غُلب تصعب عالكافر.
(نور الفقري رغم انه يعيش في بلد الجبنة، إلا ان كل انواع الجبن الفرنسي لا تُكَيفه كما الجبنة الرومي، فيطلبها مخصوص من مصر)
تجاهلت تعليمات نور الصارمة واطعمت جوجل مما آكل فكان كالرضيع الذي اطعمته امه لأول مرة. ويبدو انني فتحت علي نفسي فتحة. لم يعد جوجل يطيق طعام الكلاب، لا يقترب منه، حتي لو حيموت من الجوع. واري في عينيه نفس النظرة كل يوم مع كل وجبة. حتي افقت من النوم ذات مرة وجدته يلتهم الفيليه المبعثر علي الأرض بعد ان
تمكن من الوصول إلي سطح البوتاجاز… لقد افسدت اخلاقه.
جوجل ليس اي كلب عادي… جوجل نجم كبير ظهر علي صفحات الموضة في مجلة “ماري كلير” ، هو اشهر مني ومنك.

ليلة البارحة حضرت سلوي “الكاسوليه”. “كاسوليه” سلوي يختلف عن اي كاسوليه. هي وصفة تجمع فيها بين مقادير طاجن الفاصوليا البيضاء بالصلصة المصري، والكاسوليه الفرنسي التقليدي. ففيها تحبيشة الكسبرة والثوم والبهارات المصرية وفيها قطع الهوت دوج وطريقة تخضير الريف الفرنسي. اما انا فحضرت سلطة خضراء بالتفاح والنبيذ. المطبخ صغير جداً ومشمس ومفتوح علي الصالون والشبابيك في المبني قريبة جداً من بعضها. رائحة الكاسوليه عبأت المكان كله حتي وصلت لجارنا الذي خرج من الشباك يلوح لي ويطلب مني ان اغلق الشباك ثم مزح قائلاً ان الرائحة ذكية جداً. ذكرني بأول فصل في رواية “شيكاجو” لما حمرت شيماء بدنجان في نص الليل حتي استيقظ كل الطلاب الأمريكان في المبني الجامعي.
خرج نور ليطلب من جارنا ان يتناول معنا العشاء، تنفيذاً لتعليمات سلوي. وكأن جارنا ما صدق! اتي مع صديقته وكانوا سعداء جداً بالعزومة الغير متوقعة. الأوروبيون عامةً يستغربون جداً لطف وكرم الشرق الزائد. كانت امسية لطيفة لولا ان ما عكرها هو نحيب جوجل اللي يقطع القلب، غذرته فرائحة الكاسوليه جننته كما جننت الجيران. والكاسوليه ماتفوتش علي جعان. في الخباثة إتسحبت وغرفت له القليل.
اليوم ذهبت مع امي لنشاهد فيلم نادين لبكي الجديد “وهلأ لوين؟”. بعد الفيلم انا وامي اتفتحت نفسنا علي المناقيش اللبناني. فذهبنا إلي مطعم مناقيش. منقوشتي كانت عبارة عن فراخ مشوية وثومية وخس ملفوف في عيش لبناني محمص. وكانت احلي منقوشة اكلتها في حياتي. طبعاً تركت قطمة لجوجل.
غداً سأذهب لعرض خاص فيلم “١٨ يوم”. سأتصل بك فور خروجي من العرض

(٥)
عن العشاق
كل مرة تركت تلك المدينة وعدت لها مجدداً تدهشني رومانسيتها. وكل مرة ذهبت فيها تمنيت ان في الرحلة القادمة آتي مع شخص احبه. اراقب عن كثب قبلات وعناق العشاق. يلفت نور نظري دائماً الا ابحلق فيهم حتي لا يلاحظوا. ولكنني اتمعن في النظر حباً لهم وليس حقداً او تلصصاً. ذات مرة كنت في عربة مترو مزدحمة علي آخرها، وكان هناك شاب وفتاة في وسط هذا الزحام يتبادلان القبلات الحارة. طبعاً انا كالعادة استرق النظر من حين إلي آخر ونور ينغزني ويقول لي “بطلي فِلح!” لا احد ينظر إليهم سواي. الراكب خلفهم يقرأ الجرائد والراكبة امامهم سارحة وهي تستمع إلي الموسيقي علي الآي بود. تدهشني دائماً قدرتهم علي الحب وإظهاره، وتقديره. لماذا ترفض المجتمعات الشرقية الحب. لماذا يرتبط الحب في الشرق بالحرمان تحت مسميات مثل العفة والطهارة والشرف؟ لماذا نتصور ان الحب والشهوة لا يرتبطان؟ لماذا نعتبر الشهوة في الحب مشاعر مقززة ومحرمة؟ لماذا يكره الرجل الشرقي رؤية رجل وامرأة غرباء في وضع حميم؟ ويتصور انه واجب عليه ان يوقف هذه المهزلة وإلا يبقي بــ”يأريل”؟! احاول التقاط صوراً لكل العشاق الباريسيين . ربما سأجمع الصور في البوم فوايوريزم. voyeurism
ليلة البارحة ذهبت وحدي إلي حي “بيجال“… محطة المترو هناك تعبق برائحة البول. والرجال المتحولين جنسياً يتمخترون في كعوبهم وحلاهم. هم اكثر انوثة من النساء انفسهم! الواجهات الزجاجية للمحلات تعرض كل الألعاب الجنسية وعروض صغيرة لأفلام إباحية. ولكن هناك شيئاً ما غير رومانسي في حبيّبة بيجال.. نظراتهم ولمساتهم شهوة بدون حب.
وكأن بيجال هو الحي الوحيد الذي لا يتأثر برومانسية باريس.
….
حب بدون شهوة وشهوة بدون حب.
تصبح علي خير

فبراير 2011. ايام التفاؤل والسذاجة
alzambalek:EGYPT AFTER JANUARY 25 2011
OPINION OF LANA EL SENNAWY, A BLOGGER, WRITER, AND A DEAR FRIEND
interview for CLEO magazine in February 2011.
البنطلون خط احمر

بعد ان وجدت اصدقاء ومقربين يفكرون جدياً في الهجرة إلي بلاد تضمن لهم الحريات الشخصية دخلت في نوبة إكتئاب بعد ان سألت نفسي السؤال الذي سأله آلاف المصريين لأنفسهم “الهذا نزلت التحرير يوم ٢٨ يناير؟ ألكي انتشل بلدي من مستنقع الفساد السياسي والمالي لأغرقها في مستنقع اعمق وهو مستنقع القمع الفكري والإستبداد بإسم الدين”
…
«اصلها لا مؤاخذة واحدة متحررة» .. جملة سمعتها تتردد مؤخراً. استوقفني فيها استخدام كلمة “متحررة”، وكأنها اصبحت شتيمة علي غرار “يابن المتحررة” او “المتحررة دي تبقي امك”. تأكد لي أن مستخدمها في هذا السياق لا يدرك قيمة الكلمة ومعناها.
الجملة تطاردني في شائعات اسمعها من سائقي التاكسي عن استهداف المتحرشين الفتيات اللاتي يرتدين البنطلون في الشوارع ومحطات المترو حتي لو كن محجبات.
اسمع فتاوي من هنا وهناك واشاهد الشيخ محمد حسان والشيخ محمد العريفي يخصصان حلقات كاملة لمناقشة حكم ارتداء البنطلون في برامج علي فضائيات دينية.
كان لابد لي من وقفة عند هذا التجاوز وان اقول ان البنطلون خط احمر.. الإستهتار بالبنطلون واهميته وقيمته التاريخية هو تعدي علي حقوق المرأة ونضالها منذ القرن الـ ١٩ من اجل حق ارتداءه.
البنطلون ليس مجرد قطعة ملابس، بل هو جزء اصيل من ضمير كل امرأة “متحررة”. في الأزمان الماضية حارب رجال الدين المتشددون البنطلون معتبرينه رمزاً للشذوذ بوصفه من الملابس الذكورية التي لا يحق للمرأة ارتداءها حتى لا تتشبه بالرجال.. في عصرنا اصبح المتشددون يعتبرونه رمزاً للإنوثة والإغراء و”إبراز العورات”!
في زمن اصبح فيه تحرر المرأة سُبة في حقها وجب ان نستعرض تاريخ البنطلون السياسي والثمن الذي دفعته جدتي وجدة جدتي كي يتوفر لي ولبنات جيلي الحق في أن نرتدي بكل فخر البنطلون.
المجتمعات الشرقية المحافظة تتحجج في إنتقادها لإرتداء المرأة البنطلون بكون الأمر عادة غربية وغريبة علي مجتمعنا .. بينما التاريخ يقول العكس.
تاريخ الغرب يقول إن البنطلون كان حكراً على الرجل حتى القرن التاسع عشر، إلى أن قامت بعض النساء الفرنسيات بنقل عادة ارتدائه عن النساء الشرقيات المسلمات في (تركيا) و(بلاد الشام) إلى أوروبا، وهو السروال الذي كانت ترتديه المرأة الشرقية تحت جلبابها. ثم صدر قانون فرنسي عام ١٨٠٠م ليحد من تلك الظاهرة ينص على منع المرأة من ارتداء البنطلون، فظهرت بوادر تمرد للنساء على القوانين والعادات التي تحمل تمييزًا، وأولى المتمردات كنّ الأديبات والفنانات، مثل الأديبة الشهيرة “جورج صاند”، وهي مُلهمة الموسيقار البولندي “فيديريك شوبان”. في عام ١٨٣٠م اصرت “صاند” علي ارتداء البنطلون في مخالفة للقانون وأشارت في مذكراتها إلى مزايا ارتدائه، ورأت فيه مظهرًا من مظاهر المساواة بين الرجال والنساء.
اثناء الحرب العالمية الثانية، حلت النساء البريطانيات مكان ازواجهن في المصانع وفي مناجم الفحم بينما الازواج يؤدون الخدمة العسكرية، فاضطررن إلي ارتداء ملابس عمل الرجال بما فيها البنطلون. وبعد انتهاء الحرب قررت النساء الاحتفاظ بالبنطلون بعد ان وجدن فيه مزايا لم يجدنها في التنانير والفساتين. تدريجياً استطاعت النساء الغربيات فرض البنطلون كزي عملي لا استغناء عنه، وتم رفع حظر ارتداءه في المدارس والمكاتب ومطاعم الاثرياء الانيقة التي كانت تعتبرالبنطلون زي العاملات الفقيرات.
تواصل هذا التمرد خلال القرن العشرين حتي كانت نجمة هوليوود “كاثرين هيبورن” اول امرأة كسرت الـ”تابو” وظهرت بالبنطلون علي شاشة السينما. فتَمَ الاعتراف بالبنطلون كزي نسائي معتمد علي يد النساء “المتحررات” وإستخدمنه كرمز للتحرر من سلطة المجتمع الطبقي الذكوري الذي يتعامل مع المرأة ككائن مثير لابد من ستره دون اعتبار الي مزايا البنطلون في العمل ومايجلبه من راحة في الحركة.
وما ان تصورت المرأة ان معركة “البنطلون” انتهت حتي تجددت في عصر الظلام الحديث..
خرجت في اوائل العام الماضي تظاهرات لنساء افريقيات في “مالاوي” للمطالبة بحقهن في ارتداء البنطلون والاحتجاج على تعرضهن للتحرش الجنسي في أعقاب سلسلة من الاعتداءات على أيدي عصابات من الرجال. ذكرتني هذه التظاهرات بقضية الصحفية السودانية “لبنى أحمد الحسين” التي اعتقلت عام ٢٠٠٩م في مطعم بالخرطوم بتهمة ارتداء زي فاضح، رغم أنها كانت ترتدي بنطلوناً فضفاضاً وقميصاً طويلاً وتضع طرحة علي رأسها!. تم محاكمة لبني بموجب البند ١٥٢ من قانون العقوبات الصادر في عام ١٩٩١م الذي يقضي بعقوبة تصل إلى ٤٠ جلدة لكل من “ارتكب فعلاً فاضحاً أو خدش الحياء أو إرتدى زياً غير محتشم في مكان عام”.
كان يمكن لـ”لبنى” ان تستفيد من الحصانة الممنوحة لها كونها موظفة في قسم الاعلام لدى الأمم المتحدة في الخرطوم، عوضاً عن ذلك قامت بتقديم استقالتها لكي تستمر المحاكمة ولتلفت الرأي العام العالمي لقضية قمع الحريات وإضطهاد المرأة في السودان. بعد الضغوط الدولية انتصرت لبني في معركة البنطلون بعد أن أصدرت المحكمة السودانية حكماً مخففاً بغرامة مالية قدرها ٢٠٠ دولار.
في نفس العام انضمت كوريا الشمالية إلى ركب السودان بقرار اصدرته سلطاتها بمنع النساء من ارتداء البنطلون في الأماكن العامة بحجة الحفاظ علي الأخلاق العامة والهوية والتراث الوطني .. وقررت معاقبة من ترتديه بالأشغال الشاقة لساعات أو دفع غرامة مالية.. وفي نص هذا القرار مُنعت النساء من ركوب الدراجة، لأنه فعل فاضح لا يليق بإمرأة كورية محترمة!
وهناك بعض المجتمعات الصغيرة المتشددة في الغرب من اليهود الارثوذوكس و طائفة “الآميش” المسيحية في امريكا وكندا مازالت متمسكة برفض إرتداء نسائها للبنطلون.
ومازالت النساء فى الصومال يناضلن من اجل ارتداء حمالة الصدر” السوتيان” من تحت ملابسهن، وتتم معاقبتهن بالجلد بإعتبار ان السوتيان يبرز ثدي المرأة علي غير شكله الواقعي وهو فى عقلية الجلادين غش وتضليل للرجال! اما في المجتمع الامريكي فالمرأة التي ترفض ارتداء حمالة الصدر في الشارع او في محل عمل هي امرأة خليعة تريد لفت الانظار!
كل مجتمع يحدد ما هو مغرٍ وما هو عيب حسب اهواءه الجنسية. لم نسمع ابداً علي مر التاريخ عن مجتمع يدخل في جدل واسع حول ملابس الرجال وما هو مغرٍ للنساء.
من لا يدرك اهمية البنطلون للمرأة هو شخص لم يقرأ عن مدي المعاناة والإضطهاد الذي تعرضت له من اجل حريتها وإستقلالها، سواء في المجتمع الغربي او الشرقي.. وفي المجتمعين يتجادل الرجال حول ايهما يعامل النساء افضل من الآخر، بينما المرأة تائهة وسط هذا الديالوج، وتركت الساحة للرجال يتحدثون عن حقوقها وواجبتها وكأنها مخلوق قاصر لا يدرك مصلحته.
الغريب في الأمر ان المجتمع المصري تائه في النصف، فلا هو مجتمع متشدد يفتخر بـ”حمايته” للمرأة بجلدها لإرتداءها البنطلون ولا هو مجتمع ليبرالي يعاملها كالرجل ويشكل حكومات نصفها من السيدات .. بل هو خلطة منافقة بين الإثنين: هو مجتمع متشدد إقصائي للمرأة يدعي انه يساويها بالرجل.. يترك لها حرية إرتداء البنطلون، ثم يتحرش بها في الشوارع، ثم يحملها مسئولية الإعتداء عليها لأنها إرتدت البنطلون. يتهمها بالضعف وعدم الكفاءة ثم يتركها لتعول زوجها واسرتها دون ادني دعم من الدولة.. يطلب منها المشاركة في الحياة السياسية ثم يعمل بكل الوسائل علي اقصائها (!!)
…
هل نحن علي وشك بدء المعركة المقدسة للحرية من اجل الفن والثقافة والأدب وحرية الرأي والتعبير وتحرر المرأة وحقها في ارتداء البنطلون؟.. دائماً ما استرجع جملة قالها شخص عزيز علي ليبث في الثقة والامل : “الافكار الرجعية القامعة للحريات مصيرها الوحيد هو الإنقراض..مهما طال الزمن”
لنا السناوي
الفولتاريون الجدد

لاحظت منذ يومين ان مجموعة من الشباب بعضهم من اصدقائي دخلوا في جدل واسع علي صفحات مواقع التواصل الإجتماعي مع من يتابعونهم، عن سبب نزولهم الي العباسية في الإعتصام الاخير، وفوجئت بهم يوبخون بل و يخونون كل من حاول مناقشتهم.
هذه المجموعة التي قررت ان اطلق عليهم “الفولتاريون الجدد”، هم من الشباب الثوري المتحمس، النقي، اصحاب المبادئ، الذين يدركون حقائق الامور ولكن قد يغيب عنهم ان -احياناً- تفانيهم في حماية قضايا حرية الرأي قد يودي بحرية الرأي!
الإشكال كله بدأ من الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي “فولتير”.. تحديداً من مقولته الشهيرة “قد لا اتفق معك في الرأي ولكني سأستميت في الدفاع عن حريتك في التعبير عنه”، والحقيقة ان اصدقاءنا يستميتون في تنفيذ هذه المقولة بحذافيرها ايماناً عميقاً منهم بأن قضية التعبير عن الرأي اهم من اي قضية اخري. اهم من قضية مدنية الدولة واهم من الامن القومي واهم من الديمقراطية والدستور واي شئ.. الحرية اولاً واخيراً. كلام جميل ومعقول مقدرش اقول حاجة عنه.
مثال عن نشاط هذه المجموعة وعن مثاليتها هو استماتتها في الدفاع عن “مايكل نبيل” مع اصرارها علي توضيح انها تختلف كلياً مع افكاره بل تشمئز من بعضها، ومع ذلك خاضوا حرباً ضروس من اجل الإفراج عن مايكل “سجين الرأي”، الأمر الذي لم يشاركهم فيه معظم الشعب المصري، اقباطاً ومسلمين، لموقفهم الرافض لمايكل نبيل وافكاره عن التطبيع مع العدو الصهيوني و رفضه للتجنيد الإجباري. اصدقاؤنا طالبوا بالإفراج عن مايكل او محاكمته محاكمة مدنية دفاعاً عن المبدأ وليس عن الشخص.
هؤلاء الشباب اصروا منذ يومين علي الدفاع عن حق المعتصمين في العباسية في التمسك بإعتصامهم السلمي.. قبل الفوضي والمطاردات وحظر التجول وانسحاب الحركات الثورية من الإعتصام وادانة البعض له، هرول اصدقاؤنا الي العباسية للتأكيد علي مبادئهم. فأصبح من يشاهدهم علي شاشة التليفزيون يتصور انهم مجموعة من “معاتيه” الليبراليين واليساريين ذهبوا ليحاربوا معركة أولاد ابو اسماعيل مع العسكري!
الشيخ ”حازم صلاح ابو اسماعيل” هو من وجه اتباعه الي الإعتصام علي مسمع ومرأي الجميع .. ثم انضمت لهم الجماعات الإسلامية، وجماعات الجهاد، والبلطجية، وشقيق ايمن الظواهري و… الفولتاريون
!الحقيقة ان الفيلسوف الفرنسي “فولتير” ادخلنا في متاهة وجودية نتعثر في الخروج منها….
اولاً دعونا نتفق ان اولاد ابو اسماعيل من التيار الإسلامي السلفي اللي معظمهم كانوا يعيشون في الجحور ولم يخرجوا منها إلا بعد الثورة، هم في الاساس مجموعة لا تؤمن بحرية الرأي .. فمراراً وتكراراً كفروا ولعنوا كل من اختلف معهم في وسائل الإعلام، وهم ايضاً مجموعة من “الميكيافلين” يستنفذون كل الوسائل للوصول الي غايتهم، فهم لا يعتقدون في الديمقراطية ولا تداول السلطة، ولا يعتقدون في دستور العيش المشترك بل يؤمنون بالمبايعة اي الإنقلاب علي النظام الديمقراطي الذين كانوا ينوون استخدامه للصعود من خلاله الي رأس الدولة ثم ينقلبوا عليه وعلي الدولة المدنية وعلي الحريات العامة وده كلام واضح من تصريحاتهم في الإعلام والكل يعرفها.
ما لم يذكره “فولتير” هو: “هل استميت في الدفاع عن حرية الآخر في التعبيرعن رغبته في قمع حرية الرأي؟”، إن لم يكن بشكل مباشر فبشكل غير مباشر او “استميت في معركة الآخر مع السلطة سعياً للحرية، حتي وإن كنت اعرف ان انتصار هذا الآخر في معركته ربما سيشكل خطراً علي الحريات جميعاً؟” انا اسانده في معركته امام العسكر، مع اني غير مقتنع بقضيته ولا بمطالب الإعتصام بل انا متأكد ان هذا الإعتصام لن ينجح وسيراق فيه الدم وتهدر الارواح تماماً كما في اعتصام محمد محمود وغيره، ومع ذلك يصر الفولتاريون علي دفع هذا الثمن الفادح ليفرضوا علي المجتمع فكرة تقبل الرأي الآخر وليفرضوا علي السلطة فكرة إحترام الإعتصام الحر حتي لو لم اتفق معه. فولتير كان يتصور انه إذا ايد السلطة في مصادرة رأي الآخر، فهو بالضرورة يصادر نفسه لأنه صاحب رأي، بمعني ان إلغاء الآخر يعني إلغاءه هو.
الفولتاريون يتصورون ان الفاشية العسكرية هي عدونا الوحيد، يتصورون اننا كلنا اسلاميين وليبراليين ويسار نستطيع ان نتعايش سوياً في اطار الدولة المدنية الحرة بعد التخلص من العسكر.
يتعشمون خيراً في التيار الإسلامي كما تعشموا خيراً في العسكري يوم ١١ فبراير
هي حرب فاشية عسكرية مسلحة ضد فاشية دينية “الحمدلله” غير مسلحة (وإن رأينا صور مسلحين يطلقون النار من منابر المساجد) وإلا تحولنا من اعتداءات مجموعة علي اخري الي حرب اهلية. السؤال هو مالذي حشر اصحابنا في النص بقي؟!
للأسف هو المجلس العسكري الذي جمع “الفولتاريون” علي “الحازمون” (الشامي علي المغربي) بغشوميته وسياساته الفاشية الغبية.
تابعت تويتات ناشطة قبطية فولتارية حول هذا الموضوع وكانت ايضاً تدافع وبكل شراسة عن حق “حازمون” وكل الجماعات الإسلامية المتطرفة في الإعتصام وعرض مطالبهم حتي وإن لم تتفق معها، وانها ستذهب للدفاع عن حق وجودهم وليس افكارهم تحت اي ظرف!
هذه المثالية لابد ان تستوقفك، فهي تثير إعجابك ودهشتك في نفس الوقت!
لكن سؤالي هو، هل تهافت اولاد ابو اسماعيل للدفاع عن حق اقباط ماسبيرو في الاعتصام؟ لأ طبعاً، لأنهم ابعد ما يكون عن مثالية الفولتاريون، هم في صراع نفسي .. تسحبهم الدوجما إلي القاع بينما يحاولون ان يطفو بإنسانيتهم. اثناء اعتصام محمد محمود، “حازمون” وجدوا الدم للركب فربما تكاتفوا مع الثوار في بعض مواقف “الجدعنة”.. ولكن الحقيقة هي ان الإعتبارات الإنسانية الحماسية للأسف لا يتذكرها احد وما يتبقي في النهاية هي الإعتبارات الآيديولوجية والإختلافات الجوهرية التي يستحيل الإتفاق عليها. فهذه مجموعة تتصور ان معها الحقيقة المطلقة وأي رأي آخر او تصور او اجتهاد آخر في الدين او شكل الدولة هو كذب وكفر وضلال مبين، والاخري مجموعة تؤمن بحرية الرأي حرية مطلقة بل وتدين من يتخاذل في الدفاع عنها لأنها ام القضايا
يتوجب احياناً التحرز في إتباع مبدأ الدفاع عن “حرية الآخر” في حالة ابداء شكوك ان الآخر ينتوي الإنقلاب علي المبدأ وان تكون انت وافكارك اول ضحاياه.
مثالية “الفولتاريون” المبالغ فيها للأسف باتت آداة يستخدمها “الميكيافيلون” لإضفاء شرعية ثورية علي افكارهم العفنة بدعوي انها “حرية رأي”.. وتستخدمها السلطة لإستدراجهم الي افخاخ الدم.
لنا السناوي
شم النسيم
شم النسيم





